سمرقند مدينة في أوزبكستان بآسيا الوسطى، مأهولة منذ أكثر من 2500 سنة، وكانت لقرون من أهم محطات طريق الحرير. تشتهر بقبابها الفيروزية وساحة ريجستان، وتشتهر أيضًا بخبزها: نان سمرقند، خبز مستدير بوسط مزخرف تجاوزت شهرته حدود المدينة بكثير.
مخبزتنا تحمل اسم هذه المدينة، وتحضّر في تطوان وصفات أوزبكية أولها هذا الخبز. إليكم المدينة في محطات قليلة، ثم أسطورة خبازيها ومكانة الخبز في حياة الأوزبك.
أين تقع سمرقند؟
تقع سمرقند في وادي زرافشان، على بعد نحو 300 كيلومتر جنوب غرب العاصمة طشقند. ويعود أقدم أجزائها، تلّ أفراسياب، إلى القرن السابع أو الثامن قبل الميلاد حسب علماء الآثار.
تاجر أهلها الصغديون قرونًا بين الصين وفارس والهند. ودخلها قتيبة بن مسلم سنة 712 للميلاد، فصارت من كبرى حواضر العلم، ويرقد الإمام البخاري، صاحب الصحيح، في قرية قريبة منها.
وقد سبقنا إليها رحّالة من منطقتنا: ابن بطوطة، ابن طنجة، مرّ بها نحو سنة 1333، ووصفها بأنها من أكبر المدن وأجملها، مع أن كثيرًا من قصورها كان خرابًا منذ غزو المغول.
تيمور وعاصمته ذات القباب الزرقاء
سمرقند التي نراها في الصور هي في الغالب سمرقند تيمور، المعروف عندنا بتيمورلنك. اتخذها عاصمة له سنة 1370، وجلب إليها من حملاته بنّائين وخزّافين وخطاطين من فارس والشام والهند، وهم من كسوا المدينة بالبلاط الأزرق والفيروزي.
أما مسجد بيبي خانم، الذي بدأ بناؤه سنة 1399، فكان من أكبر مساجد العالم الإسلامي. ويرقد تيمور قريبًا منه في ضريح كور أمير، ذي القبة المضلّعة التي يقال إنها ألهمت أضرحة السلاطين المغول في الهند، ومنها تاج محل.
ريجستان ومرصد أولوغ بيك
ريجستان كلمة فارسية تعني «المكان الرملي». تحيط بهذه الساحة، وكانت سوقًا قديمة، ثلاث مدارس بواباتها المكسوة بالخزف أشهر صورة للبلد. وعلى بوابة مدرسة شير دار يطارد حيوانان مفترسان غزلانًا تحت شمس بوجه إنسان، وهي زخرفة نادرة على مبنى ديني. والمدينة التاريخية مسجلة منذ سنة 2001 في قائمة التراث العالمي لليونسكو (سمرقند على ويكيبيديا).
وأقدم المدارس الثلاث تحمل اسم أولوغ بيك، حفيد تيمور، الذي حكم المدينة قرابة أربعين سنة وكان مولعًا بالنجوم. في عشرينيات القرن الخامس عشر بنى مرصدًا فيه قوس زوالي ضخم محفور في تلّ، ووضع فلكيوه جدولًا لنحو ألف نجم، من أدق ما أُنجز قبل التلسكوب. هُدم المرصد بعد مقتله سنة 1449، ثم عُثر على بقاياه سنة 1908، وما زال الزائر ينزل إلى خندق القوس.
نان سمرقند، خبز لا يشبه غيره
الخبز بالأوزبكية «نان»، وله عشرات الأنواع، من «أوبي نان» اليومي إلى «باتير» المورّق. وخبز سمرقند أشهرها: مستدير، بحافة سميكة لامعة ووسط مسطح متماسك مزخرف. عجينه بالحليب والدهن ويُعجن طويلًا، فيأتي لبّه كثيفًا.
ويقال إنه يبقى أسابيع دون أن يتعفن: يجفّ فقط، وببضع قطرات من الماء وتسخين قصير يعود طريًا. ومن يمرّ بسمرقند يحمل منه غالبًا رزمة للعائلة.
أسطورة خبازي سمرقند
حكاية يعرفها الأوزبك جيدًا تشرح لماذا لا يُصنع هذا الخبز في مكان آخر. في الرواية الأكثر انتشارًا، أحبّ أمير بخارى خبز سمرقند حتى استقدم أمهر خبازيها إلى قصره، ومعهم دقيقهم وماؤهم، وفي بعض الروايات تنورهم أيضًا. خرج الخبز ذهبي اللون، لكن طعمه لم يكن هو نفسه.
يقال إن الخبازين أجابوا بأن هواء سمرقند هو الذي ينقصه. لا أحد يعرف إن كانت القصة حقيقية، لكن كل خباز يفهم مغزاها: الخبز ابن دقيقه ومائه وفرنه والمكان الذي يُصنع فيه.
التشيكيتش، الختم الذي يوقّع الخبز
الزخرفة في وسط النان يصنعها «التشيكيتش»، وهو ختم بمقبض تبرز منه إبر معدنية رفيعة مرتبة في دوائر أو ورود. يضغطه الخباز في وسط العجين قبل الخَبز مباشرة، فتمنع الثقوب الصغيرة الوسط من الانتفاخ: ترتفع الحافة وحدها ويبقى الوسط مسطحًا.
ويقال إن الزبون المعتاد يعرف خبّازه من ختمه. وعندنا أيضًا يُختم كل خبز أوزبكي بالتشيكيتش. وفي البيت تكفي شوكة: انقروا الوسط في دوائر متقاربة، واتركوا نحو 2 سنتيمتر من الحافة دون نقر.
التنور، فرن الطين
في أوزبكستان يُخبز النان في التنور، وهو فرن طيني كبير على شكل جرة يُسخَّن تقليديًا بالحطب. يضع الخباز قرص العجين على وسادة مستديرة ثم يلصقه بالجدار الداخلي الحارق، وبعد دقائق ينزعه ذهبيًا تعلوه فقاعات صغيرة. وكثير من السمسا في الشوارع تُخبز بالطريقة نفسها.
ليس عندنا تنور: خبزنا الأوزبكي يُخبز في فرن عادي، فلا تكون قشرته تمامًا مثل نان التصق بجدار من الطين، ونفضّل أن نقول ذلك. أما الشكل والختم فهما شكل النان الأوزبكي وختمه.
الخبز في أوزبكستان مسألة احترام
للخبز في أوزبكستان مكانة تقارب القداسة، وهذه قواعد تحترمها أغلب العائلات:
- لا يوضع النان مقلوبًا أبدًا، أي بوجهه المزخرف على المائدة، فذلك قلة احترام، ويراه البعض فألًا سيئًا.
- لا يُقطع بالسكين، بل يكسره صاحب البيت أو أكبر الحاضرين بيده في بداية الأكل ويوزّع القطع.
- لا يُرمى، فاليابس منه يُعطى للطيور، والقطعة الساقطة على الأرض تُرفع وتوضع في مكان عالٍ، كما يفعل كثير من المغاربة.
- قبل سفر طويل يقضم المسافر قطعة من نان، ويُحفظ الباقي في البيت ليكمله عند عودته.
وفي الخطوبة يتحدث الأوزبك عن «كسر الخبز»: تتقاسم العائلتان نانًا لتختما الاتفاق.
كيف تبدو المائدة الأوزبكية؟
يبدأ كل شيء بـ«الدسترخوان»، أي المفرش الذي يُمدّ قبل وصول الضيوف ويُملأ بالخبز والفواكه المجففة والمكسرات والحلوى. ويُشرب الشاي، وغالبًا الأخضر، في أوعية صغيرة بلا مقبض. وجرت العادة أن يملأها المضيف إلى النصف فقط ليعيد ملأها كثيرًا، فالوعاء الممتلئ قد يُفهم إشارةً إلى أن وقت الانصراف قد حان.
| المرحلة | ما يُقدَّم |
|---|---|
| عند الوصول | نان وشاي وفواكه مجففة ومكسرات |
| المقبلات | سلطة أتشيتشوك (طماطم وبصل) وسمسا |
| الحساء | شوربا باللحم والخضر، أو ماستافا بالأرز |
| الطبق الرئيسي | بلوف أو مانطي أو مشاوي |
| الختام | شاي وفاكهة، والبطيخ في موسمه |
وطبق المناسبات الكبرى هو البلوف: أرز يُطهى مع اللحم والجزر والحمص. أما النان فيبقى على المائدة من البداية إلى النهاية.
خبزنا الأوزبكي وسمساتنا في تطوان
خبزنا الأوزبكي يُحضَّر من الدقيق والحليب والزبدة وبيضة وقليل من الخميرة، يُشكَّل باليد ويُختم ويُرشّ بالسمسم أو حبة البركة ثم يُخبز في الفرن. هو أطرى من نان سمرقند، بقشرة مقرمشة قليلًا، وكل خبزة تُحضَّر حسب الطلب.
ولمائدة على الطريقة الأوزبكية أضيفوا سمسا باللحم بعجين مورّق بالزبدة وحشوة من اللحم المفروم والبصل والكمون، أو سمسا مفتوحة، وهي خبزة طرية مفتوحة على حشوة من اللحم والبطاطس، فكلمة «أوتشيق» تعني «مفتوح» بالأوزبكية. ومع الشاي، شريحة من كيكة العسل الأوزبكية، الميدوفيك الذي يحبه الأوزبك، تختم الأكل كما يجب.
كلها تحتوي على الغلوتين ومنتجات الألبان، وكلها ما عدا السمسا باللحم تحتوي على البيض. السمسا المفتوحة فيها سمسم، وقد يحتوي الخبز والسمسا باللحم على آثار منه.
أسئلة شائعة
لماذا اشتهر خبز سمرقند إلى هذا الحد؟
للبّه الكثيف وطول مدة حفظه، وللأسطورة أيضًا: خبازون نُقلوا إلى بخارى ولم ينجحوا، كما تقول الحكاية، في صنع الخبز نفسه بعيدًا عن مدينتهم.
ما هو التشيكيتش؟
ختم بإبر يُنقر به وسط الخبز الأوزبكي ويُزخرف، حتى يبقى الوسط مسطحًا بينما ترتفع الحافة.
هل يُخبز خبزكم الأوزبكي في التنور؟
لا، في فرن عادي، ويحتفظ بشكل النان الأوزبكي وزخرفته المختومة.
مع ماذا يؤكل الخبز الأوزبكي؟
مع الشاي والجبن والمربى أو الحساء، ويليق كثيرًا بالحريرة والطاجين.
أين تجدون خبزنا الأوزبكي في تطوان؟
اطلبوا من موقعنا في أقرب وقت ممكن، لأن كل شيء يُحضَّر حسب الطلب، ثم استلموا طلبكم يوم السبت أو الأحد بين العاشرة صباحًا والسادسة والنصف مساءً من مركز الولاية في تطوان.